عبد العال سالم مكرم

74

من الدراسات القرآنية

قال الشافعي : فأقام حجته أنه كتاب عربى في كل آية ذكرناها ، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل ثناؤه كل لسان غير لسان العرب في آية من كتابه ، فقال تبارك وتعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ « 1 » . وقال : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ « 2 » ، ويختم الشافعي دفاعه عن كتاب اللّه تبارك وتعالى بهذه النصيحة الغالية فيقول : « فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين ، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه ، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه ، وترك موضع حظه ، وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق ، وكان القيام بالحق ، ونصيحة المسلمين من طاعة اللّه ، وطاعة اللّه جامعة للخير » « 3 » . بهذا الرد المقنع ، وبهذه النصيحة الخالصة دافع الإمام الشافعي عن قضية عروبة هذه الكلمات ، دفاعا حارا ، لزم فيه المنطق القوي ، والحجة البالغة والدليل القرآني القاطع . وإني حرصت كل الحرص على تسجيل عبارات الشافعي بنصها في هذا المجال ، لأنها تحمل من حرارة الدفاع عن كتاب اللّه أكثر مما تحمل عباراتي . وفي هذا الخط الذي رسمه الشافعي اتجه الإمام الطبري في تفسيره هذا الاتجاه وكأنه بآرائه التي بسطها في هذه القضية يضع الدلائل الواضحة على صحة رأى الشافعي ، ذلك لأنه يرى أن هذه الكلمات الأعجمية ، اتفقت بألفاظها ومعانيها مع الكلمات العربية ، فليس من المنطق أن نقول : إنها غير عربية بل هي عربية أعجمية : يقول الطبري : « ولم يستنكر أن يكون من الكلام ما تتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف بمعنيين معا ؟ ويقول أيضا ، كما قد وجدنا اتفاق كثير منهم فيما قد علمناه من الألسن المختلفة . وذلك كالدرهم ، والدينار ، والدواة والقلم والقرطاس وغير ذلك مما يتعب إحصاؤه ، ويمل تعداده .

--> ( 1 ) النحل : 103 . ( 2 ) فصلت : 44 . ( 3 ) الرسالة : 50 .